
تصاعدت مجددًا ظاهرة العنصرية في الملاعب الأوروبية، بعد الأحداث التي شهدتها المباراة الودية الأخيرة بين منتخبي مصر وإسبانيا، والتي أعادت فتح ملف قديم يتجدد باستمرار، رغم الجهود الدولية المبذولة للحد منه، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تداعيات هذه السلوكيات على الرياضة والمجتمعات.
ووفقًا لتقارير صحفية أوروبية، بينها منصة Eurosport، شهدت المباراة التي أقيمت على ملعب RCDE Stadium في مدينة Barcelona، إطلاق هتافات معادية للمسلمين من قِبل مجموعة من الجماهير، ما أثار حالة من الاستنكار داخل الملعب وخارجه، ودفع المنظمين إلى التحذير الفوري عبر مكبرات الصوت.
حوادث متكررة تكشف أزمة أعمق
لم تكن الواقعة معزولة، بل تعكس امتدادًا لظاهرة متجذرة في بعض الملاعب الأوروبية. ففي الدوري الإسباني، تعرض لاعب Vinícius Júnior، نجم Real Madrid، لهتافات عنصرية خلال مواجهة أمام Atlético Madrid عام 2024، تضمنت إساءات مرتبطة بلونه وأصوله، ما دفع السلطات لفرض غرامات وفتح تحقيقات قضائية، بحسب تقارير Euronews.
وفي الدوري الإيطالي، تكررت الانتهاكات بحق لاعبين من أصول إفريقية، من بينهم Romelu Lukaku لاعب Inter Milan، حيث واجه هتافات مسيئة خلال مباريات رسمية، ما استدعى فرض عقوبات شملت إغلاقًا جزئيًا للمدرجات.
أما في إنجلترا، فقد وثّقت منظمة Kick It Out نحو 150 حالة عنصرية خلال موسم 2025، مع تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استهدفت أكثر من 90% من الحالات لاعبين بشكل مباشر.
أرقام صادمة وتحذيرات أوروبية
تشير بيانات UEFA إلى تسجيل نحو 1398 حالة تمييز خلال موسم 2024-2025، وهو أعلى رقم موثق حتى الآن، مع تصاعد ملحوظ في حوادث الإسلاموفوبيا والتمييز الديني.
وتوضح التقارير أن نحو 33% من المحتوى المسيء يحمل طابعًا عنصريًا، فيما تم توثيق آلاف المنشورات المسيئة عبر الإنترنت خلال فترات قصيرة، ما يعكس امتداد الظاهرة خارج حدود الملاعب.
عقوبات مرتقبة من الفيفا
تترقب الأوساط الرياضية موقف FIFA، في انتظار تقرير حكم المباراة لتحديد العقوبات المحتملة، والتي قد تشمل غرامات مالية أو إجراءات تأديبية تصل إلى إقامة المباريات دون جمهور.
وتنص لوائح الاتحاد الدولي على تطبيق عقوبات تدريجية ضد الأندية أو المنتخبات التي تتكرر فيها مثل هذه الانتهاكات، ضمن سياسة تهدف إلى ردع السلوك العنصري.
توثيق حقوقي واتساع الظاهرة
أكدت منظمات حقوقية، بينها Human Rights Watch وAmnesty International، أن العنصرية في الملاعب تعكس مشكلات أعمق داخل المجتمعات الأوروبية، ولا تقتصر على المجال الرياضي فقط.
كما تشير بيانات أوروبية إلى أن أكثر من 35% من الأشخاص من أصول إفريقية في أوروبا تعرضوا لشكل من أشكال التمييز خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس الترابط بين الرياضة والواقع المجتمعي.
تداعيات إنسانية تتجاوز الملعب
لا تقتصر آثار العنصرية على الأجواء الرياضية، بل تمتد إلى الصحة النفسية للاعبين والجماهير، خاصة المنتمين إلى أقليات دينية وعرقية، حيث تعزز هذه الممارسات الشعور بالإقصاء وتغذي خطاب الكراهية.
كما تمثل هذه الظاهرة تهديدًا مباشرًا لجهود تعزيز التعايش والتسامح، وتضع المؤسسات الرياضية أمام تحديات متزايدة للحفاظ على القيم الإنسانية في المنافسات.
إدانات دولية وتحركات مطلوبة
دعت United Nations إلى ضرورة تطبيق صارم للقوانين لمكافحة التمييز العنصري في الرياضة، فيما شدد مفوض حقوق الإنسان Volker Türk على أهمية وضع استراتيجيات فعالة لمواجهة الظاهرة.
وأكد أن القضاء على التمييز يتطلب الاستماع للفئات المتضررة واتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة جذور المشكلة.
العنصرية في الملاعب.. أزمة مستمرة رغم الجهود
رغم إطلاق مبادرات مثل “لا للعنصرية” منذ مطلع الألفية، لا تزال الظاهرة تتجدد بأشكال مختلفة، ما يشير إلى محدودية تأثير العقوبات التقليدية مثل الغرامات أو إغلاق المدرجات.
وتبرز الحاجة إلى آليات أكثر صرامة، تشمل رقابة مستقلة وتوسيع نطاق العقوبات لتطال الأفراد المخالفين، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي.
تكشف أحداث مباراة مصر وإسبانيا أن العنصرية في الملاعب الأوروبية لا تزال تحديًا قائمًا، يتطلب تحركًا جادًا من الاتحادات الرياضية والحكومات والمنظمات الدولية، لضمان بيئة رياضية آمنة تحترم التنوع وتنبذ الكراهية.



